يمكن للحياة أن تفاجئنا بتقلباتها، أليس كذلك؟ أحياناً تكون مجرد عثرات بسيطة، وأحياناً أخرى تكون طعنات تصيب القلب مباشرة. عندما نمر بصدمة، أو حزن، أو قلق، أو حتى حين نشعر بضغط المشاعر، قد يداهمنا شعور بالوحدة والعزلة؛ وكأن جزءاً منا قد انغلق على نفسه، مما يصعّب العثور على كلمات تعبر عن الاضطراب الداخلي. ومع ذلك، ثمة مسار عميق ولطيف للتشافي لا يعتمد دوماً على الكلمات: إنه العلاج بالفن.
(Malchiodi, 2012; American Art Therapy Association, n.d.)
بصفتي معالجاً بالفن، نلتُ شرف مشاهدة القوة التحويلية للتعبير الإبداعي. الأمر لا يتعلق بكونك “فناناً جيداً” أو بإنتاج لوحة فنية مبهرة، بل يتعلق بالعملية ذاتها. إن فعل تجسيد المشاعر على الورق، أو تشكيلها بالصلصال، أو إيجاد إيقاع في الحركة، يمكن أن يعيدك بلطف إلى ذاتك، ضربة فرشاة تلو الأخرى.
(Rubin, 2016)
لماذا الفن؟ عندما تعجز الكلمات، يتحدث الفن
غالباً ما تكون الكلمات غير كافية. كيف تصف الغصة في معدتك، أو الثقل في صدرك، أو الأفكار المتسارعة في ذهنك؟ بالنسبة للكثيرين، وخاصة من عانوا من الصدمات، قد يكون التواصل اللفظي مستحيلاً أو حتى مسبباً لتجدد الصدمة. هنا يبرز دور العلاج بالفن؛ فهو يوفر منفذاً آمناً وغير لفظي لاستكشاف وتجربة ومعالجة التجارب الصعبة.
(Malchiodi, 2012)
يمكنك، على سبيل المثال، تمثيل قلقك ككرة متشابكة من الخيوط، أو حزنك كمحيط لا نهاية له. من خلال تجسيد هذه الحالات الداخلية وإخراجها للعلن، تصبح مرئية، شيئاً يمكنك التأمل فيه وفهمه، وفي النهاية.. إعادة تشكيله.
اللمسة الحانية للشفاء: فوائد قد لا تتوقعها
تكمن روعة العلاج بالفن في دعمه الشمولي للصحة النفسية والعقلية:
- التفريغ والتنظيم الانفعالي: يوفر العمل الفني متنفساً آمناً للمشاعر، ويدعم التهدئة الذاتية؛ فإيقاع الرسم، أو ملمس الطلاء، أو مجرد التركيز في مهمة إبداعية يمكن أن يعيد الهدوء للنفس. (Rubin, 2016)
- الوصول إلى مكنونات العقل الباطن: يمكن للعمليات الإبداعية أن تُظهر مشاعر أو ذكريات أو رؤى قد تغفل عنها الكلمات. إنها تشبه “الحلم وأنت مستيقظ”، مما يسمح للرموز والاستعارات بالظهور. (Malchiodi, 2012)
- بناء الوعي الذاتي والبصيرة: تساعد الأنماط والموضوعات المتكررة في العمل الإبداعي على تعزيز التأمل، وقد تشرق معها لحظات “الإدراك المفاجئ” العميقة. (Rubin, 2016)
- تقليل التوتر والقلق: تُظهر الأبحاث أن الانخراط الإبداعي يعزز اليقظة الذهنية، ويقلل من هرمون الكورتيزول (هرمون الإجهاد)، ويحفز على الاسترخاء. (American Art Therapy Association, n.d.)
- تطوير مهارات التأقلم: من حل المشكلات أثناء العملية الإبداعية إلى الشعور بالرضا عند إتمام العمل، يبني العلاج بالفن المرونة النفسية ويزود الأفراد بأدوات لمواجهة تحديات المستقبل. (Malchiodi, 2012)
- استعادة الشعور بالسيطرة: يمكن للصدمة أن تجعلنا نشعر بالعجز، لكن اتخاذ قرارات خلال العملية الإبداعية – كاختيار الألوان، الملامس، والأشكال – يعيد إلينا القدرة على الفعل ويقوي العزيمة الذاتية. (Rubin, 2016)
احتواء دافئ.. وليس عرضاً فنياً
لا توجد “طريقة خاطئة” لممارسة العلاج بالفن. المهارة الفنية ليست مطلوبة، بل كل ما تحتاجه هو الفضول والانفتاح. توفر الجلسات مساحة داعمة وغير اختيارية، حيث تعكس الابتكارات التجارب الداخلية بدلاً من الأداء الفني.
(American Art Therapy Association, n.d.)
إذا كنت تواجه صدمة، أو حزناً، أو قلقاً، أو غرقاً في المشاعر، فإن العلاج بالفن يقدم لك دعوة لطيفة. إنه ليس حلاً سحرياً سريعاً، بل هو رفيق حانٍ على طريق الشفاء، يساعدك على إعادة اكتشاف مرونتك وصوتك الخاص، حتى عندما تبدو الكلمات بعيدة المنال.
(Malchiodi, 2012; Rubin, 2016)